الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
213
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
فلأن القدر الثابت من إلزام الشارع بالمقدمة حسبما ذكر هو الإلزام التبعي الحاصل بإلزامه على ما يتوقف عليها بالعرض وهذا النحو من الإلزام إنما يقضي بترتب الثواب على ذي المقدمة لا على المقدمة نفسها لعدم تعلق غرض الشارع بفعلها ولا بإلزام المكلف بها فكما أن الإلزام بها حاصل بالعرض من جهة الإلزام بما يتوقف عليها بكون ترك الثواب عليها كذلك أيضا ألا ترى أن الإلزام المذكور حاصل بالنسبة إلى أجزاء الواجب وليس هناك استحقاق ثواب على كل من الأجزاء وإنما يكون الاستحقاق بالنسبة إلى الكل وإن أمكن إسناده إلى الأجزاء أيضا بالعرض فكذا الحال في المقدمات وأما ثانيا فلأن إيجاب الشيء إنما يستلزم ترتب الثواب عليه إذا أتي عليه بالفعل من جهة أمر الآمر به وبسبب إرادته لحصوله فيكون الباعث على الفعل هو امتثال الأمر والانقياد له وقضية ذلك عدم ترتب الثواب على المقدمة إلا مع إيقاعها على الوجه المذكور والظاهر أن القائل بعدم وجوب المقدمة يقول أيضا بترتب الثواب عليها إذا أتي بها من جهة أدائها إلى أداء الواجب كما هو الحال في المباحات إذا أتي بها بوجوه مرجحة لفعلها كما مرت الإشارة إليه وحينئذ فلا وجه لدعوى الاتفاق على عدم ترتب الثواب عليها على القول بعدم وجوبها فتأمل ومنها أنه إذا كان حصول الشيء على بعض التقادير ممكنا وعلى بعضها ممتنعا فالأمر الطالب لذلك الشيء العالم بحاله إما أن يريد حصوله على جميع تلك التقادير ممكنا أو على التقدير الذي يمكن فيه حصول ذلك الشيء لا سبيل إلى الأول للزوم التكليف بالمحال فتعين الثاني إذا تمهد ذلك فنقول إنه لو لم يجب المقدمة لم يستحق تارك الفعل للعقاب أصلا وبطلان التالي ظاهر أما الملازمة فلأنه إما أن يريد الإتيان بذي المقدمة على كل من تقدير وجود المقدمة وعدمها أو على تقدير وجودها فالأول فاسد لما عرفت فتعين الثاني وحينئذ يكون وجوب الفعل مقيدا بوجود مقدمته فلا يكون تاركه بترك شيء من مقدماته مستحقا للعقاب إذ المفروض عدم وجوب المقدمة وعدم وجوب الفعل مع عدمها وهذا الاستدلال موهون جدا أما أولا فلأنه لو تم لقضي بتقييد وجوب الواجب بوجود مقدمته وهو مع كونه فاسدا قطعا ومخالفا لما هو المفروض في المقام من اختصاص المبحث بمقدمات الواجب المطلق غير مقيد للمقصود إذ مجرد القول بوجوب المقدمة لا يرفع الفساد المذكور إذ غاية الأمر حينئذ استحقاقه العقوبة على ترك المقدمة ولا يقضي ذلك باستحقاقه العقوبة على ترك ذي المقدمة حتى يرتفع الفساد على أن ذلك إنما يقتضي وجوب المقدمة لنفسها لا لغيرها ففيه فساد من جهة أخرى أيضا وأما ثانيا فلأنا نختار تعلق الأمر بذي المقدمة على كل من تقديري وجود المقدمة وعدمها وما ذكر من أن ذلك من قبيل طلب الشيء على تقدير إمكانه واستحالته فاسد فإن الشيء في حال انتفاء مقدمته لا يكون ممتنعا لإمكان الإتيان حينئذ بمقدمته فيمكن الإتيان بالواجب نعم لو تعلق الطلب به بشرط عدم مقدمته أو في حال إمكان مقدمته وامتناعه لزم الفساد المذكور لكن من المعلوم أن الأمر إنما يتعلق بالفعل مطلقا مع إمكان مقدمته لا امتناعه فإن قلت إنما يتم الاستدلال حينئذ بالنسبة إلى المقدمات التي لا يتمكن منها بعد تركها قبل انتفاء وقت وجوب الفعل المتوقف عليها كما في قطع المسافة بالنسبة إلى الحج إذ نقول حينئذ إنه إما أن يجب الحج في زمانه المخصوص مطلقا سواء تمكن من قطع المسافة أو لا أو أنه لا يجب إلا مع التمكن منه والأول فاسد لاستلزامه التكليف بالمحال والثاني قاض بسقوط الحج والعقاب عن ترك قطع المسافة والحج أما سقوط الحج فظاهر وأما سقوط العقاب فلعدم إخلاله بالواجب أما بالنسبة إلى المقدمة فلأنه المفروض وأما بالنسبة إلى الحج فلسقوطه ثمة قلت أما سقوط العقاب بمجرد سقوط الواجب ممنوع ألا ترى أنه يسقط الواجب بتعمد تركه في وقته أو بعد تضيق وقت التمكن من فعله ولا ريب في تحقق العصيان مع سقوطه فنقول بمثله في المقام فيلزم سقوط الحج مع ارتفاع التمكن من قطع المسافة لكن مع مخالفته لأمر الحج وعصيانه له فإنه لما وجب عليه في حال التمكن من قطع المسافة مما لا بد منه في أداء الحج كان مخالفا للأمر المتعلق بالحج مع تعمده لترك القطع المؤدي إلى ترك الواجب فيكون مستحقا للعقوبة على ترك الحج لا على ترك القطع إذ يصدق حينئذ تعمده لترك الواجب وأنت خبير برجوع ذلك إلى ما هو المقصود من القول بوجوب المقدمة فإنه إذا تحقق مخالفة الأمر بتركه لقطع المسافة كان ترك القطع عصيانا له من حيث أدائه إلى ترك الحج لحصول مخالفة الأمر المتعلق للحج من جهته وهذا هو المقصود من الوجوب الغيري اللازم في المقام للوجوب النفسي وحينئذ فيمكن تقرير الدليل على هذا الوجه بأن يقال إن ترك المقدمة إما أن يكون محرما ممنوعا من حيث أدائه إلى ترك الواجب أو لا والأول هو المدعى والثاني قاض بعدم استحقاق العقوبة في الصورة المفروضة أصلا فإنه إما أن يتعلق الأمر بذي المقدمة مع التمكن من مقدمته وعدمه ولو في خصوص الصورة الأولى إلى آخر ما ذكر وقد يجاب عنه تارة أنا نختار تعلق الأمر به حال التمكن من مقدمته بعد تعلق الأمر به في الجملة وحينئذ فإن خرج ذلك الفعل عن قدرته من جهة اختياره لم يكن مانعا من بقاء ذلك التكليف نظرا إلى أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار وأخرى بالتزام حصول العصيان واستحقاق العقاب بترك الفعل في الزمان المضروب له وإن لم يتمكن حينئذ من مقدمة ولم نقل ببقاء التكليف حال انتفاء التمكن من المأمور به نظرا إلى تعلق التكليف به حال التمكن عن المقدمة فإن الأمر إذا أراد إيجاد المأمور بشيء في الزمان اللاحق وكان ذلك الشيء يتوقف على مقدمة سابقة عليه في الوجود وكان المأمور قادرا على الإتيان بها لم يكن هناك مانع من تعلق التكليف بذلك الشيء من غير إشكال نظرا إلى إمكان حصول الفعل وصدوره من المأمور لإمكان إتيانه بمقدمة المقدورة ثم بالواجب فإذا تعمد المكلف ترك المقدمة المفروضة قضى ذلك بعصيانه للأمر حين مجيء زمان الفعل وإن ارتفع الأمر بارتفاع المكنة من أداء الفعل فهو عاص حينئذ للأمر المتعلق به حال تمكنه من مقدمة وإن لم يبق ذلك الأمر حين عصيانه إذ لا دليل على لزوم بقاء الأمر حال تحقق العصيان وقد عرفت ضعف كل من الوجهين المذكورين فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيهما ومنها ما ذكره جماعة منهم الغزالي والحاجبي والآمدي من أن الإجماع قائم على وجوب تحصيل الواجب وتحصيله إنما يكون تبعا على ما يتوقف عليه